السيد محمد حسين فضل الله

363

من وحي القرآن

فنحن نجد النبي إبراهيم عليه السّلام يخضع لعنصر المفاجأة الغريبة في طبيعة مضمونها الذاتي بطريقة عفوية من خلال الضعف البشري العادي ، ليعود - في يقظة الوعي الشعوري - إلى الانفتاح على القدرة الإلهية التي تجعل الأمل حيّا حتى في المورد الذي يكون الشيء فيه مستحيلا عاديا ، فلا يستسلم لأي يأس ، لأن الذين يخضعون للقنوط هم الضالون لا المهتدون ، فإنهم يقفون مع اللَّه في ما يقوله ويفعله في شؤون عباده ، من دون أن يكون في ذلك أية منافاة للعصمة وللدرجة العالية في نبوّته . الأمر الثالث : جاء في مجمع البيان أنه ذهب جميع المفسرين وأهل التأويل أن المراد بقوله تعالى : مُصَدِّقاً بِكَلِمَةٍ مِنَ اللَّهِ أنه مؤمن بعيسى ومصدق له ، فقد أراده اللَّه أن يكون المؤيد لعيسى عليه السّلام ، باعتبار معرفة الناس له وتصديقهم به ، وقد جاء التعبير عن عيسى بأنه كلمة اللَّه ، مما يجعل هذا اللفظ بمثابة الاسم المختص به كما في الآية الآتية في قوله تعالى : إِذْ قالَتِ الْمَلائِكَةُ يا مَرْيَمُ إِنَّ اللَّهَ يُبَشِّرُكِ بِكَلِمَةٍ مِنْهُ اسْمُهُ الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ [ آل عمران : 45 ] ؛ وقوله تعالى في سورة النساء : إِنَّمَا الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ رَسُولُ اللَّهِ وَكَلِمَتُهُ أَلْقاها إِلى مَرْيَمَ [ النساء : 171 ] . ولكن أبا عبيدة - على ما حكي عنه - قال : معناه بكتاب اللَّه ، كما يقولون : أنشدت كلمة فلان أي قصيدته وإن طالت ، وإنما سمّي المسيح كلمة اللَّه لأنه حصل بكلام اللَّه من غير أب ، وقيل : إنما سمّي به لأن الناس يهتدون به كما يهتدون بكلام اللَّه . ويذكر صاحب مجمع البيان - تأييدا للقول المشهور - أن يحيى كان أكبر سنا من عيسى بستة أشهر وكلّف التصديق به ، فكان أوّل من صدّقه وشهد أنه كلمة اللَّه وروحه ، وكان ذلك إحدى معجزات عيسى عليه السّلام وأقوى الأسباب لإظهار أمره ، فإن الناس كانوا يقبلون قول يحيى لمعرفتهم بصدقه